القَطْن .. أَمَلٌ يَمُوتُ وَزَيفٌ يَتَّحِد .........



القَطْن ..
أَمَلٌ يَمُوتُ وَزَيفٌ يَتَّحِد
.........



خالد لحمدي



............................



الأمم تنهض ومدينتي تندس في القبح وتتعفر بالرماد  .
المدن تتسابق لإمتطاء صهوة النور والحلم  .. وعيون مدينتي  تسّودُ  وترتدي ثوب الحداد .
ذلك  هو واقع حالنا ...  تنزف  أرواحنا  كثيرا من الحبر والكثير من الدم  والمداد .. حرصا  في  أن ترى أعيننا ماحلمنا به ذات فجر ،  وحملناه داخل أرواحنا وصرنا نخطو به عمر من الوقت ... بخطى  مرتبكة متعبة .. وأنفاس تكاد تختنق  بين لحظة وحين .
بينما نكتشف  أننا نحرث في أرض  قاحلة ، ومن الإستحالة أن تأتي بشيء من الخيروالإخضرار ... ويتسابق أمامنا .. الخمط  والسدر والإثل ويسعى للنمو والتكاثر ليحتل الأزمنة ويسكن الفصول  ... ونحن على ضفة الأمل نقف مطأطئين صامتين .
لقد تعبت  أقدامنا ، من وقوفنا وتوقفنا في منتصف مسالك متعرّجة واهية ، وأرض رخوة  ، لايستقيم على حوافها سوى الزيف والمخاتلة وعيون الكاذبين ..؟
وفي غفلة منّا  نلحظ  ضباب كثيف من الوهم والخيبة ، لتمتلىء به أحداق أعيننا المسهدة وجعاً وتألم .. الباحثة عن الأمان والصدق ، واغفاءة نستعيد خلالها حواسها الميتة ، وقد أتت اللحظة وأوشك النور أن يصحو بعد  سُبات ومنام  .      
في حين لم تخجل ولم تستح أرواح ، تسللت بغتة وتركت يدها لتحمل القلم  وتُسطّرّ  أبشع القرارات ، وتحجب غيوم الدفء والبهجة .. والقلم من كل ماسُطّرّ ويُسطّر براء براء ..؟ 
 إننا بذلك  نمحو أرث وتاريخ  نهضوي وحضاري ، صنعته عقول مبدعه راسخة ، ونثرت بذاره على تراب  هذه الأرض .. ضنّا منها أن ثمة أمة سوف تحافظ على هذا الغراس وتلك المنجزات .. فكانت عاقة مفلسة .. أتت على كل جميل .. لقتلة بعنف وشدة ... وهي تهزاء وتضحك ... وبئسا للمستهزئين الضاحكين .
فمنذ عمر من الوقت مابرحت - مدينتي - أن تُهجّر العقل المبدع .. وتتعبه .. وتشاكسه .. وتؤذيه .. تضع فوق  رأسه عقول  مخاتلة  لاتجيد سوى الزهو ، ولاتعرف الألفة والصدق في التعامل ، ولاتدرك عن  أبجديات الوله والتعلّق بالأمكنة أي  شيء .. فكانت قاسية مكابرة ، تزرع اليأس وتطرد الأوفياء الصابرين .
القطن .. مدينة الجدب والخراب .. وموت العطر والورد  وعيون الياسمين ..
لوكانت غير ذلك ... لما رحل عنها .. كبار الأطباء والإختصاصيين وسكنوا مدن وأمكنة أخرى ، احتضنتهم وعانقتهم ووجدوا فيها الدفء والأمان ، وتحقيق ماتصبوا له أرواحهم .. وإنهم في ذلك مُحقين  .
واتسائل بألم ودهشة ..  لماذا ذهب بعض المعلمين الى مدارس وجامعات بعيدة ليعملوا فيها بحرية  واطمئنان ، وقد نجحوا وتبوئو أعلى المناصب والدرجات الوظيفية العالية ... وهم الأكفاء ويستحقون المجد والنجاحات الكثيرة   .
وحين تُذكر مدينة - القطن - في حضرة هؤلاء ... تقشعر أجسادهم ويصيبهم كثير من الملل .. ويشعرون  للتو بالمرارة والإمتعاض  .. 
هذه  مدينتي -  أرض  مغلوبة بائسة ،  تعشق التصحر، وتكره الغيث والمطر ، وستبقى خشنة معاندة دهور وأزمان طوال .
قوانين هذه البقعة من الأرض المنسية .. تختلف كثيرا عن كل الأمكنة داخل هذا الوطن ، فلها قوانينها وطقوسها التي لايجيدها ولايعرفها سواها .. وهي تظن أنها أدراء بكل شيء ، وفي الحقيقة هي لاتعرف شيئا ، سوى المخاتلة وزرع الحواجز المانعة  للنور وغيوث البهجة والأمل والبهاء .
ومايؤكد أننا نعيش في مديرية تتلفع بفحيح وأفياء ملتهبة  .. حين قام  مكتب التربية والتعليم بالمديرية بوضع النقلة المدرسية لهذه السنة الدراسية الجديدة  2013م – 2014م  التي أثارت وأوجعت  قلوب تعشق العلم والمعرفة ولاتجيد سواه .. عقول تربوية غزاها المشيب وكثير من أمراض العصر وهي تجاهد بصبر وتعارك رغم كثير من المصادفات اليومية المؤلمة ، والكثير من المنغصات القاتلة لروح التعليم والمعلم ، وكثير من الأشياء التي تواجهها هذه الروح السامقة  التي لم تعتادها ، ولم تعرف مثلها ذات يوم .. ولم تتوقع حدوثها أو مواجهة أي موقف منها .. وظلّت تكافح لأداء رسالتها السماوية بصدق ووفاء ..
إن هذه العقول التربوية النيّرة .. يجب الإحتفاء بها .. وتكريمها .. والحفاظ عليها من التعب والأرق والقلق ، وحمايتها من المتاعب والشتات .. واعطائها الحق في القرار والحياة ، وإن الحق مع هذه العقول .. فهي التي تبني المستقبل ، والغد المليء بالإشراقة والأمل ، وبها تُصنع وتُعمّر الأوطان ، وإن الأوطان بدون العلم والمعلم  لاتساوي شيئا .
إذن .. كيف .. سيؤدي المُعلم ويمارس رسالته التربوية الذي قضى خلالها  سنين طوال وأكتسب خلالها كثير من المعارف والخبرات الكثيرة .. حين يبادل بالجفاء  .. ويتم  نقله وإبعاده عن مدرسته التي عمل فيها عمر من الوقت ... تخرّج على يديه كثير من الطلاب .. تبوئو بعدها مناصب عالية ، وأمكنة لاتبلغها سوى عقول ناضحة بالنور .. تلقّت العلم على أيدي معلمين أفاضل يستحقون الشكر والكثير من الإحترام  .
وإن ماقام به مكتب التربية والتعليم في المديرية ، من تغييرات وتنقّلات .. بين المعلمين والمُعلمات .. يعد شيء مخالف للعلم  والمعلم  .. حيث أن كثير ممن طالتهم تلك التنقلات والتغييرات  يشهد لهم الجميع في حقل التربية والتعليم ، وفي كل الأوساط الأدبية والثقافية بمكانتهم العالية والرفيعة ، في ادائهم  رسالتهم التربوية بإخلاص ونزاهة وتفان ... إذن لماذا تعمل ادارة التربية بالقطن والمسئولين على وضع النقلة المدرسية ، بكل هذه التغييرات التي قال لي عنها كثير من  المعلمين والمعلمات بأنها مجحفة ولا مبرر لها .. وإن كان هناك نية في التغيير .. فيجب أن يكون نحو الأفضل .. فهل كل من شملتهم هذه التنقلات والتغييرات .. تعني بأنهم  لم  يكونوا أكفاء في المواقع التي كانوا يشغرونها .. أم أن هناك شيء في الأفق لاندركه ويعلمه القائمين على وضع وصناعة هذه التنقلات والتغييرات التي لاحاجة للتربية في المديرية للقيام بها ولاداعي لمثل هذا أن يتم أويكون  .. في حين أن أغلب مديريات محافظة حضرموت لم يتم فيها أي تنقلات أو تغييرات في الحركة التعليمية والتربوية داخل مدارسها ..
فماذا يعني إذن .. حين يتم تغيير ونقل مديرة ثانوية = الخنساء = الأستاذة الفاضلة لونا علي الهدار التي عملت كمديرة لهذه الثانوية ، عمرمن الزمن  وسنين طوال .. كانت متربعة على عروش النور وممسكة بالنجاح  وخيوط البهاء ... انجزت وصنعت كثيرا من المناشط والفعاليات الأدبية والثقافية .. بعقل نيّر منفتح .. هادفة للسمو والرقي بالتحصيل العلمي الى مصاف رفيعة عالية ، وتم خلال ذلك أيضا اكتشاف كثير من المواهب المكتنزة لدى الطالبات والمعلمات ، وإظهار ماتنضح به أرواحهن ، وماتحمله دواخلهن من ابداعات في الفنون التشكيلية .. والشعر .. والقصة .. وكل المناشط التي تنهض بالروح وترتقي بالذوق والجمال نحو الخلق الإبتكار وأكتشاف منابع العطاء التي لاتنبض أو تستكين .
ومادواعي أن يتم نقل الأستاذة رزياء لرضي معلمة اللغة الإنجليزية من ثانوية الخنساء الى مدرسة أخرى .. وهي الكاتبة والشاعرة والتي تُحظى بحب زميلاتها من المعلمات وكافة الطالبات .. وهي التي أمضت سنين طوال في التدريس والمناشط والفعاليات المدرسية ، والتي يشهد لها الجميع بالوفاء والجهد والمعرفة والنجاحات الكثيرة ..؟
ومالحاجة أيضا لتحويل الأستاذ محمد سالم بخضر المعلم في هذه الثانوية .. الذي يحمل شهادة الماجستير في المصارف الإسلامية بتقدير امتياز .. وهو المعلم الناجح والكاتب المبدع ، ومن ذوي الخبرات العالية في التعليم والأمور التربوية .. والذي صدرت له كثير من الأبحاث والدراسات .. الذي من بينها كتابه الموسوم ب =  التكييف الفقهي للخدمات المصرفية .. الصادر عن دار النفائس بالأردن ..
ومن غريب المصادفات أن يصدر المكتب التنفيذي في المديرية في دورته الاعتيادية الرابعة  لشهر مايو 2013م المنعقدة يوم الثلاثاء 4/6/2013م  قرارا برقم 25 بالآتي (  أ= عدم حضور الرجال في احتفالات المدارس الخاصة بالبنات .
 ب = عدم مشاركة البنات غير البراعم في الاحتفالات المدرسية . ج = على مدير التربية والتعليم تعميم ذلك على كافة المدارس ومتابعة تطبيق ذلك ) .
عجبي .. إذا كان المكتب التنفيذي في المديرية يقر ويصدر قرارا مثل هذا .. اذا كيف يأت مدير التربية ويعين مديرا لثانوية الخنساء من الرجال ..؟
إن العقلية التي إصدرت قرار مثل هذا وأتت بمثل هذه الفكرة ، تعد روح  سوداوية معتمة ، لاتعرف النور وتعشق القبح ولن تاتي بشيء سواه  .. بينما الأمم تخطو وتتسابق نحو المجد والعلا ، ونحن نتراجع للخلف ونعيد التاريخ الى عصور الجهل وأزمنة الظلام .. ماالذي حدث ويحدث ..؟  إن هذا تراجع وانحساروانغلاق .. فبينما العالم حولنا يتطور ويتقدم نحو اكتشاف كثيرا من العلوم والمعارف ... ونحن لازلنا نفكر بعقل معقد .. يسعى لتكبيل البهاء ، وإعاقة النور والمجد ..  وهنيئا له أن يبقى  يدور حول ظلاله ورؤاه المظلمة ..     
وإن كان لابد من التغيير فالأولى أن يكون الأستاذ محمد سالم بخضر هو المدير لثانوية الخنساء ... وهو من المشهود لهم بالنزاهة والتفوق ، ويحمل مؤهلا عاليا .. يُمكّنه  من ادارة الثانوية بتفوق ونجاح .. مع العلم أن الأستاذة  لونا علي الهدار .. كان تحويلها ونقلها من أدارة الثانوية أمر غير صائب .. ونحن لاندرك ولانعلم  خفايا الأمور .. بينما القادم سوف يحكي ويفصح لنا معاني هذه الطلاسم التي تعلمها ادارة التربية بالمديرية .. وستكشف الأيام مسببات هذه التغييرات غير الموفقة  وغير الصائبة  .
مع ملاحظتنا خلال الفترات الماضية ومايعتمل من فعاليات وأنشطة داخل مدارس المديرية ، هوغياب الفعاليات والأنشطة في الجانب المسرحي  .. وغياب المناشط الفنية والموسيقية .. وإن كان بعض الفعاليات قد أقيمت .. فقد كانت ركيكة وهشة في محتواها ولم تأت بجديد يواكب الحداثة والتطور .. وظهرت خلال ذلك أصوات غير متآلفة وناشزة .. تُرتّل بعض الأناشيد الخاوية في محتواها والمفرغة من كل شيء .
وقد كان الأحرى بإدارة التربية في المديرية أن تفتتح  الفصل الدراسي لهذا العام الجديد ، بغرس  بعض من أشجار الورد والعطر والظل في حوائط المدارس ، وبين جنباتها .. لتنسم عبير وظلال هذه الأشجار العطرة بالبهاء والدهشة والجمال .. كان يجب أن تصرف للمدرسين علاواتهم وحقوقهم المالية التي دائما مايشكون من عدم صرفها لهم .. كان يجب أيضا تقديم لهم الهدايا التذكارية الهادفة والمُعبرة .. كالكتب المتنوعة .. من قصص وشعر وتاريخ ، وفي كافة مناح العلم والمعرفة ، ومكافآتهم عن سنين عطائهم واخلاصهم في العمل والأداء  .
كان يجب الإحتفاء بمن كان أكبر سنّاً وعمراً وابداعاً من المعلمين والمعلمات اللذين هم على وشك الإحالة للمعاش التقاعدي ، والجدد منهم أيضا .. بإقامة لهم حفل ، وإحضار = طرطة = وشيء من الحلوى .. تنام على حوافها بعض الشموع  وكثير من البسمات والتحايا التي ستسعد الكثير منهم  وستخبر أرواحهم بأنهم لازالوا يشغرون غرف وقلوب إداراتهم وزملائهم وطلابهم .. وانهم في قلوبهم باقون ولن ينتسون .. أيضا كان الأولى أن يتم منحهم المال لعلاج الحالات التي تعاني من بعض الأمراض – كالقلب – وارتفاع ضغط الدم – والسكر – وآلام الكلى – وتوجعات العمود الفقري وكثير من الأمراض التي تُسببها الطباشير ويعانيها المعلم ولا يستطيع أن يتحصل على العلاج  لضروف الحياة ومراراتها القاسية .. كان يجب أن توضع صور للمعلمين المبرزين في كل مدارس المديرية ، عرفان وتقديرا لإخلاصهم وجهودهم التي قاموا ويقومون بها كل ذلك العمر وكل هذه السنين  .  
إن ماحدث ويحدث في الحقل التربوي بالمديرية  يعد انحدار سحيق ، لاينم عن ذات طامحة في تعليم رأق ومستقبل أفضل وأجمل .. وإن كانت ثمة أيدلوجيا تقف خلف كل مايعتمل .. فسوف تنكشف مع الزمن والأيام القادمات .
لذلك أطالب من مدير عام مكتب وزارة التربية والتعليم بالوادي والصحراء إيقاف العمل بهذه النقلة الجديدة التي وضعت مؤخرا ، وخلقت إرباك بين المعلمين والمعلمات ، وحالة من اليأس والقلق في هذه الأرواح الصابرة المستنيرة .. ولاأدري هل لديه علم بهذه النقله أم انه لا يعلم عنها شيئا .
إن قلمي حين ينزف كثير من الحبر ، ويستهلك الكثير من الورق والوقت .. ليس لغرض اللهو والتسلية ، بل لكشف مكامن القبح والأخطاء أين كانت وحيث تكون .. ويجب الثناء على كل رائع وجميل  ترأه الأعين فتتلقفه الروح والأسطر بدهشة وفرح .. هذه هي الكتابة وأدبياتها السامية الراقية  .
أخيراً ..
أيها الجالسين على كراسي السلطة الزائلة .. اصنعوا ماتشاءون .. فقط – اتركوا مدينتي  تحيا مثلما تشاء وكيفما تريد  .  



....................
نقلا عن  صحيفة المسيلة العدد =  805 الأربعاء 04 سبتمبر 2013م


                 



             









المشاركات الشائعة من هذه المدونة