مثقفون لكن بؤساء 00!

                                                                                                       خالد لحمدي



   حين تنظر لحال ومثقفي ومبدعي هذا الوطن ، تأخذك كثيرا من الشفقة والألم بل والدهشة من الحالة التي وصل اليها البعض ، فتتألم وترثى لهم .. بل وتبكي كل يوم حين تسمع أشياء محزنة عن أحوالهم وتردي معيشتهم وبؤسهم وفقرهم المدقع .
ذلك ليس عيب ...  العيب أن يُهمل مثل هؤلاء ويتركون فريسة للفاقة والمرض ، في حين تمتلئ قلوبهم إبداعاً لايضاهى بثمن .. قدّم الكثير منهم عطاءاته طوال حياته وحين شاخ ارتكن في زواية مهملة ..  ولعزة نفس بعضهم توارى عن الأنظار والتزم منزله لايطلب أحد شيء ..  سوى الله وحده كثير الخير والعطاء .
وهناك من ساعدته ضروفه وذهب بعيد هرباً من الجوع والفاقة ولم يجد في غربته سوى الضياع وعدم استقرار روحه .. لعشقه اللامتناهي لوطنه الذي ترعرع به ونشأ فوق ترابه وغرس فيه أحلامه الكثيرة المؤجلة .
في حين قد أخذت بعضهم أحلامهم إلى مضايق مغلقة فلم يستطيعوا الخروج منها أو القفز عليها والتخطّي لتحقيق تلك الأحلام البسيطة  التي كانوا يوهمون أنفسهم .. بل ويعتقد البعض تحقيقها ، وحين تصل حالته البائسة إلى طريق النهاية بعد جري متعب ومشقة أكثر تعب وقلق ..  يقف يتأمل حوله فلايرى سوى روحه ، وكأنه كان يدور حوله نفسه وظلاله .
ذلك سخف واستهزاء حين ينظر للمثقف والفنان والمبدع في هذا الوطن نظرة دونية قاصرة لعمله ولإبداعه الذي لايضاهى بثمن ... حين يُترك وحيداً لاتعره أي جهة اهتمام ، ليموت بؤس وجوع .. يفتك به المرض ولايستطيع شراء الدواء المناسب لشفاءه بل أحياناً لايملك ثمن ذلك الدواء .. فيستدين وقد لايجد من يقرضه المال الذي هو في حاجة إليه   .
ذلك المبدع الحقيقي الذي لايسأل أحد ولايقف على باب أحد ولايستجدي العطاء من أحد ويكتفي فقط بما يأتيه نهاية كل شهر .. قد يكفي وقد لايفي بضروريات حياته ومعيشة اسرته الكريمة 0
كم هو  محزن حين يموت أدباؤنا ومثقفينا ومبدعينا وهم منكسرين وحزانى وموجوعة قلوبهم لايستطيعون تحقيق بعض من طموحاتهم القليلة الكثيرة .
كم هو سخيف هذا الوطن ..  حين يترك مثقفيه ومبدعيه تنخر الفاقة قلوبهم وتقتل كبرياءهم وكل جميل فيهم دون رحمة وإدراك وهو يتأملهم ضاحكاً ..  على  موتهم وتساقطهم  واحداً تلو الآخر غير مكترث بهمومهم ومتاعبهم وماآلت اليه أحوالهم من بؤس وتردّي .
إن المثقف والمبدع هو أمل الأمة وعقلها ومشروعها التنويري الذي ينهض بها ويخرجها من مضايق جهلها إلى طوابق من النور والأمل ..  ذلك هو دوره الحقيقي  ..   فكيف إذن يستفيق وينهض وقواه لاتساعده على النهوض وعقله مشوش مليء بالتعب والقلق ..؟
حين يظل يلهث ويجاهد طوال عمره من أجل كسرة خبز يشبع بها خواء أمعائه وأسرته وقد لايفي بتحقيق ولو جزء يسير من ذلك  .
وقد يبقى عمر كامل  وهو يصارع ويكافح في شراء بعض لوازم منزله ويعمل على سداد أقساط ماأشتراه من راتبه الشهري الذي لايكفي لاسداد حاجته وأحيان لايفي بسداد ماعليه لصاحب البقالة التي بجانب منزله ..  والمصيبة أكبر في دفع إجار المنزل آخر الشهر من راتبه الشهري الضئيل   .
أليس من حق هؤلاء أن يحلموا بتحقيق ماتصبوا اليه انفسهم من أحلام وطموحات وأشياء بسيطه جداً وقليلة ..؟
وإن كانوا لايستطيعون تحقيق كل ذلك ..  لكن من حقهم أن يحلموا بما تهفو اليه أنفسهم وترغب في إمتلاكه وتحقيقه ذات يوم  .
من حق كل واحد أن يحلم بأن يكون له أصدقاء رائعين ومخلصين يرتبط معهم بعلاقات حميمة  وقوية ، يفتخر بهم  ويفتخروا به في كل جمع وفي كل لقاء ..
من حق كل واحد أن يحلم بأن ينجب العشرات من الأبناء والبنات يجالسهم ويلاعبهم وينسى بهم همومه ومتاعبه الكثيرة ..
من حق كل واحد أن يحلم بأن يكون لديه جهاز كمبيوتر محمول يأخذه معه أين ذهب وإلى مكان عمله وأي مكان آخر يريد ..
من حق كل واحد أن يحلم بسيارة صغيرة يدور بها ويشاهد من خلالها كل الأمكنة الر ائعة في وطنه ..
من حق كل واحد أن يحلم بأن يمتلك بيت جميل ورائع  في تنسيقه وبناءه ، تحيط به حديقة ملأى بالزهر والورد يتأملها ويشم روائحها في كل لحظة وفي كل حين ..
من حق كل واحد أن يحلم بأن تكون لدية زوجة ثانية و ثالثة و.... تؤازره وتعينه على مصائب ومتاعب هذه الحياة البائسة وتعطيه كثيراً من البنين والبنات وتقف معه في وقت الشدائد والمحن الكبيرة  .
من حق كل واحد أن يحلم بأن يبيع هاتفه الخلوي الذي يملكه منذ عمر من الزمن ويستبدله بآخر يساعده ويعطيه مزيد من الخدمات وأكثر سرعة وحداثة  .
من حق كل واحد أن يحلم بأن يتعلم تعليم عال  ويحصل على أعلى الشهادات والدرجات العالية وأن يُبدع ويُقدّم مالديه من مواهب ومدارك متعددة من خلال تخصصه الذي يعشقه ويستميت حب ورغبة في أن يتعلمه ويحصل عليه ذات يوم .
من حقنا أن نحلم ونحلم ونحلم ...!
طموحات وأحلام كثيرة تصبو النفس والروح لها ،  وفرق شاسع بين الحلم والحقيقة ..!
لذلك اتسائل بألم وفجيعة .. !
أنستطيع حقاً تحقيق شيء من هذه الأحلام في وطن علقت به كثير من الندوب والجروح .. ؟
ومع كل المنعطفات والمتغيرات والعواصف التي تهب وتعصف بالأمم والشعوب ، فأننا لانرى سواء وطننا الذي نعشقه ونستميت لأجله ونحلم به وطن شامخ وعزيز  نفاخر به بين كل الأمم والشعوب  .
تلك بعض أحلام وطموحات .. وإن حلم كل مثقف ومبدع قد يتجاوز كثير من التصورات والتخيلات وسيبقى يتأمل في تحقيقها ، وسيصارع حتماً كل ضرف وزمن ليصل إلى مبتغاه ..  وأن غد أجمل .. يتراءى  بين أعيننا ويشتعل في دواخلنا ولاينطفيء  .



المشاركات الشائعة من هذه المدونة