تباني أبكي وهل يشفع بعض البكاء .؟ هكذا أراد الشغف والحُب أن تظل تطلق أسئِلتك ولا تجد ردّاً أو إجابة شافية ، وهكذا رغب في أن تجف مدامعك كي لا تجد شيئاً يُخفِّف عنك ويطفي حرائق ولهك وتعلّقك . أنتَ لا تستطيع صبراً وهو لا يرغب في أن يفتح لك مسالك الحُلم واللقاء . كل السبل والمنافذ ضيّقة ومغلقة ولا سبيل سوى الصبر والترجّي و عمرٍ من الانتظار . تضيق الروح سأماً وتنفتح مسام القلب وتتّسع دائرة التوجّس والاختلاف . تنسى حينها مرارات فقدك وقلقك فتشي بعدم استطاعتك على الخلاص و التخلّي ، وتعترف بصدق ودون مواربة بعدم القدرة على البُعد ومحال يحدث أو تُفكّر يوماً بشيء كهذا . هو لا يعرك اهتماماً بينما تراه كل شيء بالنسبة لك . أهو الفقد أم تزايد الحرمان بداخلك أم اللهفة لروح واقفة بعيداً ولم يحن موعد قدومها إليك ، ما قد يجعلك تتساءل بحرقة وتألم ؟ تباني أبكي أنا ماشي معي باقي دموع تباني أشكي منه باينصف القلب الولوع بس قُللي كيف بنساك كيف بتقنّع وبسلاك وإنتَ في قلبي هُنا بين الضلوع تباني أبكي أنا ماشي معي باقي دموع من فؤادي كيف بعرف أبعدك وإنتَ ساكن فيه منذُّ مولـدك منذُّ أول يوم شفتك وأتفقـنا وعرفـتك كيف بعد اليوم بقدر أطردك تباني أبكي أنا ماشي معي باقي دموع بعد ما اتملّكت إحساسي وقلبي بعدما جنّنتني وسلـبت لُبّي صرت بعد القُرب تبعد صرت تخلف كل موعد وتُهيّج مقلتي وشجون غُلبي تباني أبكي أنا ماشي معي باقي دموع لظى الحرمان يصلي مُهجتي منذُّ البدايه بكا الكتمان شوفه بايقرّب لي النهايه إنتَ في الدنيا تهنّى وأنا بالحُــب بفـنى طالما موتي هو لك كل غايه تباني أبكي أنا ماشي معي باقي دموع لم يبقَ في الأعين دمع ولم ينصف قلب الشاعر أحد وظلَّ يصارع الحيرة والتوجّع معترفاً بتساؤل وأسى ، كيف يستطيع أن ينسى بل وكيف يقدر أن يستغني عن حب لازال يسكن شغاف روحه وأضلعه .؟ هكذا هو الشاعر الكبير صالح نصيب ذو القلب المُرهف والمشاعر الدافقة بالصبابة والتمنّي وهكذا هي كلماته الغارقة في سيول الوله والأماني وهكذا هي روحه الملأى بالنجوى وغزارة المعنى وعذب الشعر والكلام . كانت دائرة من البهاء و الأناقة لن تكتمل لو تخلّف أحد هؤلاء الثلاثة العمالقة الآتون من زمن بهي وعصر يُقدّس المعنى ويُبجّل النور والجمال . إذ قام المُلّحن العبقري أحمد صالح بن غودل بتلحين هذه القصيدة بكثير من الجمالية والذكاء ، وكان رائعاً ومقتدراً وهو الذي لحّن كثيراً من الأغنيات الجميلة الخالدة ، وقد سكب جلّ أحاسيسه وانفعالات روحه بشكل مغاير لِما هو مألوف وسائد ووضع هذا اللحن ذا المصاريع الشعرية واللحنية المُكبلهة، ماجعل القصيدة تجمع عدّة ألحان في أغنية واحدة ، وتلك سمة العمالقة الموهوبين لا يستطيع صنعها إلا قلّة ممن يتعاملون مع الألحان وتركيب الجُمل اللحنية بانسيابية وجمالية عاليتين . والأجمل هو اختياره لمقام ( الراست ) وهو أحد المقامات الموسيقية التي تتّسم بسعة المساحة الصوتية ولِما يتميز بهِ هذا المقام من عذوبة وتأثير وسحر لأُذن المستمع والمتلقي معاً . وقد اتضح للسامع جليّاً ذلك التوزيع الموسيقي الذي تقاسمه الكمان والأكورديون وآلة القانون ، الذي قالت أرواح عازفيها قبل أناملهم ما أراد قوله المُلّحن ، متماهين مع تغاريد الفنان وصوته المليء بالرقة والسحر الكبيرين . لو لم يصنع أحمد بن غودل هذا اللحن لقلت أيضاً أنّه هو وحده وليس سواه القادر على التطريب وصناعة لحن بهذا العمق والعذوبة الآسرة ، وهو يدرك مايصنع ويعي ما يود قوله جيداً ، ذلك أنّه شعر بعذوبة ورقة الكلمات ولامست روحه ودواخله ماجعله يترجم تلك الكلمات لحناً بانسيابية تتوافق مع ماتحمل القصيدة من فكرة ومعنى ومشاعر عصفت بذات الشاعر الذي قالها بأناقة وصنعة تنم عن روح شاعر يمتلك أدواته وجُمله بحرفة ودراية وسمو واقتدار . وقد جاء صوت الفنان عبدالكريم توفيق مثل غيث مُحمّلاً بسيول من الروعة والشجن ، إذ أتى مثل كروان مُغرّدٌ ، أيقظنا من لذة غفواتنا وجعلنا نقف بإجلال وصمت مأخوذين بفيوض انهماراته وسحره وعُرب وهنك صوته الذي ملأنا جمالاً وعلّمنا ، بل وقال لنا : كيف يجب الغناء بل وكيف من الأوجب أن يُصنع ويكون ، ولِما يحمل صوته من قوّة وجزالة كُتب لهذا اللحن الألق والخلود . قد تعجز الأحرف على الشرح والتفاصيل ، ورُبّما تنفلت الكلمات حين أسعى للولوج نحو عوالم من الاستحالة الاقتراب منها أو المكوث حولها ولو ثوان معدودة ، ولكن لا أستطيع اللحظة أن أنكر انشدادي وإعجابي بألحان الموسيقار أحمد بن غودل الذي قُلت له ولا زلت : هل من عودة ولو ببعض من جماليات ماصنعت.، قد لا تكون اللحظة كتلك ولا الزمن كذاك ولكن لا تدعنا نعيش الجدب والوحشة طويلاً فلازلنا نتوسّم قليلاً من بهاء نورك وشيئًا من عطائك ، طالما الأنفس تنبض حياة وتتنفّس النور وكثيراً من الأمل . خالد لحمدي

المشاركات الشائعة من هذه المدونة