عبدالرحمن الحداد ومـواعــيدٌ لـم تكتمـل يظل البُعد مصدر قلق و اضطراب لقلوب تمتلئ فقداً وتألماً ، لا تطلب شيئًا سوى الإمساك بالدفء ولو ثوانٍ ، حينها قد تهدأ وتستكين . أرواح استغنت عن كل شيء ولم تعد تطلب سوى ماحلِمت وتأمّلت . ويبقى الغياب جمر لا يخمُد أو ينطفىء ، يزيده الوله سُهداً وتوجّعاً . يؤجّج ذلك دواخل الشعراء الذين ما ينفكّون أن يطلقوا ماتخفي دواخلهم وماتكنّه أحاسيسهم ومشاعرهم ، وقد تعدّدت أغراض قصائدهم وماذهبت إليه هواجسهم وانفعالاتهم التي أخرجت للملأ أغنيات متعدّدة الأغراض والهواجس لا نستطيع أن نستشف منها سوى خيوط واهية لا تروي فضولنا وقد تذهب بنا نحو مسالك لا يفهمها سوى الشاعر وحده ، ونظل متمسّكين بتأويلاتنا ورؤانا ، ويبقى الشيء الوحيد والأجمل هو عثورنا على شيء من جماليات هؤلاء وما أنتجته قرائحهم التي حتماً ألقت بنا في دروب تظلّلها البهجة والمتعة ، وهما العذبتان للمستمع الذي يشعر بانصهار روحه عند الاستماع وقد يجد نفسه في شيء من أعمال كهذه . مثال ذلك ثلاث أغنيات أتت تتابعاً ، وكانت الأولى من كلمات وألحان عبدالقادر الكاف والتى لاقت صدى وشهرة لا تزال حتّى اللحظة وهي ( على ميعاد) التي تغنّى بها الفنان الكبير عبدالرحمن الحداد وآخرون ، إلّا أن صوت أبي محمد يظل أقرب الأصوات إلى نفسي وأكثر تأثيراً على حواسي ، لِما تميز به من انسيابية وتناغم ، وطبقة القرار التي يمتلكها والتي قل مانجدها إلّا في صوت الراحل أبي بكر سالم بلفقيه ، إذ جاء كجدول يروي ينابيع عطشى للسقي والماء ، ولم ينفك هذا الصوت أن حلّق بالأرواح في سماوات من الدفء والإناقة ، فاحتضنه العُشّاق بعد صبر ووحشة وكثرة انتظار . إذ قال الشاعر عبدالقادر الكاف : على ميعاد أنا وَانتَ ياحبيب الروح الليله بعد لبعاد با نطفي لهيب الشوق في ليله تذكّر لا تقع ناسي ولا تلعب بإحساسي وتذكر إنّنا الليله أنا وَانتَ على ميعاد برب الحُب أحلف لك بأن الحب لك باقي وأنّي جيت لك عاني بوجداني وأشواقي إذا غنّيت في الغيبه أغاني لك أغنّيها وتكفيني الليالي شاهد إنّي أذكرك فيها وفي الأحلام كل ليله أنا وَانتَ على ميعاد تعال اليوم ننسى ياحبيبي قسوة الماضي تعال اليوم نتلاقـى ونملأ كأسـنا الفاضـي تعال الليله ليلة حب يا محبوب نقضيها وننسى في لقانا هذه الدنيا وما فيها وننسى كل شيء إلاّ حنا الليله أنا وانتَ على ميعاد هكذا قال أبو حداد مُعلنا ومؤكداً لمن أحب في محاولة لتذكيره بموعد لقائهم الذي رُبّما قد ينساه ذلك الحبيب ، لا ندري أهو تلهّف للوصل أم تخوّف من أن ينسى أو يخلف ذلك الحبيب موعد اللقاء المرتقب ، في الوقت ذاته يحلف باسم الحُب ويعترف بأن الحُب لذلك الحبيب لا يزال يعيش في أعماق روحه ، وأنّه سيجيء للّقاء بروح ملأى بالأماني وبوجدانٍ ومشاعر لم تخفت يوماً ولم ينقص منها شيء بل ظلّت في تزايد وفي حدّة واشتعال . المؤلم في الأمر أن الشاعر ظلّ يدعو حبيبه لذلك اللقاء كي ينسيا معاً كل ماعلق بحُبّهما من أسى وحرمان وتوجّع ويعدهُ أنهما بهذا اللقاء سيستعيدان مافقدا وما حُرِمت منه روحاهما في زمن فائت ، وسيعيشان ليلة حُبٍّ ينسيان خلالها الدنيا وما جلبت لروحيهما من تعب وقلق واضطراب . الأمرُّ في كل هذا أن الشاعر لم يظفر بلقاء حبيبه و ظل يخبره ويذكّره بموعد لقائهما وما سيحدث خلال ذلك اللقاء من بهجة ومتعة لكليهما إلا أنّه لم ينل شيئاً مما توهّم وحلمت به روحه الوالهة المُرهفة . وقد اشتهرت هذه الأغنية كثيراً في حضرموت وخارجها وردّدها كثيرٍ من المطربين ماقد جعل الشاعر جمل الليل الكاف ( أبوحمد) أن يكتب ويُلّحن اغنيته الرائعة ( يامحلا اللقاء حتّى بلا ميعاد) . المفارقة أن الشاعر عبدالقادر الكاف كان ميقناً من لقاء حبيبه ولكن خوفه أن يتعثّر ذلك اللقاء أو يخلف أو ينسى ذلك الحبيب موعدهما جعله يقوم بتذكيره بميعاد لقائهم بينما قال الشاعر أبو حمد بصدق ووضوح : ماتجاوب معي حتّى وأنا عنّده آه ياريت عـنّده مثلما عـنّدي كان حتّى بشعره بسحبه ينقاد يامحلا اللقاء حتّى بلا ميعاد ماتخاطب ولا بيّن لنا قصـده والمصيبه إذا هو ما عرف قصدي بعد رقم الميه برجع إلى الآحاد يامحلا اللقاء حتّى بلا ميعاد كُل من جد يجني من ثمر جُهده غير أنا فيه ما شي بان من جُهدي مامعي منه غير الكد والإجهاد يامحلا اللقاء حتىّ بلا ميعاد مرّ شبابي وأنا محروم من ودّه ما ظهر فيه لا جودي ولا ودّي عـاده ألا بصـدّه ياخسـاره زاد يامحلا اللقاء حتى بلا ميعاد مايهم شيء سوى حاجه فقط وحده لا يحبّه أحد غيري أنا وحدي بشهر اسيوف ساعتها من الأغماد يامحلا اللقاء حتى بلا ميعاد لقد أكد الشاعر جمل الليل الكاف أبو حمد ، أن حبيبه لم يتجاوب معه ولم يلتفت نحوه بل لم يعره اهتماماً ، وهو الذي تمنّى أن تكون هالة الحب والشغف اللتين بداخله تعيشان داخل قلب حبيبه ، فلو كانت وجدت حينها لسهل الأمر لديه وحتماً سيستدرجه لذلك اللقاء بذكاء وتبصّر ، غير أن ماترجّاه وتأمله لم يشعر به حبيبه ولم يفهمهُ البتّة ، بل تَصنّع الغرور والتكبّر ولم يتنازل من علياء غروره وكبريائه ، بينما سعى آخرون وتقرّبوا لذلك الحبيب وظفروا بما أرادوا ، وبقي قلب الشاعر في ترقّب وحيرة من أمره ، وعاش الحسرة وذبول العُمر الذي أفناه في متاهة ذلك الحُب الذي لم يجنِ منه سوى البذل والجهد والتعب ، ورغم ذلك ظلّ يتأمل ويتوسّم أن يلتقي بحبيبه ولو صدفة ودون موعد ، ويرى في ذلك بعض من المتعة المنسرقة العابرة . خلال ذلك أتى الشاعر حسين المحضار نافضاً يده من كل الوعود والمواعيد التي لم يتحقّق منها سوى الألم والتوجعّات المتواترة ، مُعلناً عن تأجيل لقائه بمن أحب ، ولم يكن هو السبب أو حبيبه في ذلك ، بل الحُسّاد الذين حالوا دون لقائهما ، بعد أن كاد يحدث ذلك اللقاء ، لا لشيء سوى حقدهم وضغائنهم من أن يريا عاشقين متحابين قد أجتمعا معاً . ولم ينسَ أبو محضار الشاعر أبا حمد ، إذ سعى محاولاً التخفيف عنه وطأة عذاباته وفقده وتطبيب بعض جراحه التي تسبّب فيها من أحبّه قلبه ولم يظفر بوصله ولو صدفة ودون موعد مسبق . وقد رُبّما يكون هنا المحضار يخاطب أبا حمد بعدم الانزعاج بينما يقصد بذلك روحه التي حلمت بذلك الوصل الذي لم يتحقّق منه شيء . حيث قال برضا وقناعة آسرة : وتأجل الميعاد من بكره إلى وعد ثاني كُلّه من الحُسّاد وقفوا بيننا والشـواني لا تنزعج يا بو حمد مالك في التأخير يد الله بهذا راد وتأجل الميعاد من بعد ماقرّب وقت اللقاء أو كاد وتأجل الميعاد كل ما صفاء الميراد عندي واصبح الشرب هاني والغيث مُزنه جاد واخضرّت جميع المجاني جاء نهب من بدو الريد حطّوا على غصن الزبد كُلٍّ يبا له زاد وتأجل الميعاد من بعد ما قرّب وقت اللقاء أو كاد وتأجل الميعاد وش عاد لي وش عاد في الدنيا خلاف الأماني تمّيت ما في الخاد وعدمت الذي في ثباني والعين تمسي في قهد والصبر من قلبي نفذ والشوق كلما زاد وتأجل الميعاد من بعد ماقرّب وقت اللقاء أو كاد وتأجل الميعاد البُعد سيفه حاد وحديده قسي هندواني كم قطّع الأكباد خلّاها تصب دم قاني ياويل لي ما له أحد لا سال جرحه ما أرتبد فيه الدواء مافاد. وتأجل الميعاد من بعد ما قرّب وقت اللقاء أو كاد وتأجل الميعاد ما كان خلّي شاد في عشقه ولا أنا أناني ذلاّ فتن وأحقاد منّا بعّدت كل داني يامن عليك المعتمد أرمي عيونه بالرمد ذي قام بالمرصاد وتأجل الميعاد من بعد ما قرّب وقت اللقاء أو كاد وتأجل الميعاد لقد أخبرنا هنا المحضار بأن ثمّة رابط يجمع بينه وحبيبه وإن لم نستطع تحديد قوّة تلك الصلة من ضآلتها ، ولكن ، يظل هناك شيء من الود والتوافق بينهما الذي أفصح عنه المحضار بأن خلّه لم يكن يوماً عنيداً أو حاد الطباع أو قاسياً في تعامله معه ، ولم يكن هو يوماً أنانيًّا مع ذلك الحبيب ، بل منحه كل الإخلاص والحُب ولم يبخل عنه بشيء ، ولكن ظلّت تحوم حوله أعين الفتن والدسائس وأبعدتهما عن بعضهما ما جعله يدعو الى الله بأن يصيب تلك الأعين بداء الرمد ، تلك الأعين اللاتي أوقعن بينه وحبيبه وحرماهما لقاءهما المستحب . ويظل صوت الرائع عبدالرحمن الحداد رسول المواعيد المؤجّلة التي لم تتحقّق ولم تكتمل ، فلولاه لما وصلت إلينا هذه الأعمال الخالدة ، التي تغنّى بها بصدق وتسلطن وإحساس مرهف وروح صدحت بشيء شعرت بهِ ولامس دواخلها ، فجاءنا صوته محمّلاً بهالة من الشجن والنغم الآسرين . خالد لحمدي

المشاركات الشائعة من هذه المدونة