سيموت حتماً

.....

خالد لحمدي

الى الروائي الكبير صالح سعيد باعامر

مع فيض من المحبة وكثيراً من الوفاء .

.....

لم تكن اللحظة مهيأة كي نصنع النور ونشعل قناديل البهجة وعيون البهاء ، أن نوقد الحلم الذي لازال وهجه يشتعل فينا بعزة وشموخ وكبرياء .

فلازال الوقت معطوباً .. متأبطاً شرارات زيفه وخيوط ناره كثيرة العتمة شديدة السواد .. فيُسطر أبشع الأبجديات .. ويقتل أنبياءه وصانعي بهائه وزهوه .. حين يركب السواد صهوة الحلم ، ويتشرّب رحيق النور ولايدعُّ للبهاء دقائق بوحً أو انتظار  .

كانت موسيقى الفرح والبهجة أنت تعزفها .. وأُردد معك تهاليل الخلود والوفاء .. وأُسطّر سمفونيات البوح والوجع من مدينة هربتُ منها .. فأُعدت لها بقسوة وكثيراً من الألم  .. صوت جنائزي تتشرّبه شراييني وروحي .. لم أرغب في سماعه .. وأجبرني الوقت بجبروته أن أتجرّع مرارة كؤوسة الصدئة ، بعدم الرغبة والرضاء .. ولكن جاء القرار ... أين المفر  .. أين المفر ..؟

اوركسترا العشق والوله أنت قائدها وبيدك عصا المايسترو ... والآخرون صغاراً يتعلّمون منّك فنون العزف ولحظة الدخول والخروج ، في زمن موحداً ورتماً لايخطئه العازفون  .

أنت كبيرهم وبقية العازفين صغاراً .

إن من الإستحالة أن تعشق الروح سماء ، وتُكبل بقيود وأغلال لعشق سماء أخرى لاتعرف النور ولاتشرق ولاتضيء .

مؤلم حين تتقاذف الأمواج روحا تتعلّم التجذيف والعوم في بحر كل مواسمه وفصوله أنواء ورياحاً لاتهدا ولاتكف ..

أوهل يفلح القلب ويراوغ  في عشق فياف وسهوب لاتزرع سوى الشوك والسدر والأثل الخمط الذي لاينفع بل يضرّ .. ؟

للزمن ربابنته وبحاره وأهله .. ولايفلح سوى الصادقين .

أوهل يعتذر الموج للبحر .. حين تلتهم الصخور زخّات الزبد والأمواج الهاربة وتنّدس  بين تشققات الصخر ولاتبرح أن تموت وتتلاشى ثم لاتعود  ..؟

فيحتضن البحر بقايا موجة تسمو عائدة بعد كلل وملل ورجاء .

 متسائلة بمرارة وتوجع  ..

أتستطيع النوارس أن تغادر سماء وبحراً اعتادت  أن تُحلّق فيها .. لتسكن صحارى  وقفاراً موبؤة بالتشظّي لاتتعب أوتملّ ..؟!

أيستطيع البحر أن يغادر مياهه ويترك  أحشاءه ويذهب بعيداً ..؟

أيستطيع السمك أن يفارق بحره ويتشرّب مياه آسنة تميت ولاتموت   ..؟

سيموت حتماً إن لم يُعاد الى بحره وضفاف عشقه ، شواطئه وسمائه ، بحره وزرقته التي يحلم بها ولاتكاد عنه تذهب أو تنتهي ..

اليك أيها الواقف على ضفاف بحر  تعانقه روح  في واد سحيق لايمطر زرعاً ولايزرع ورداً ويأتي على كل أخضر يانع وجميل ..

اليك أيها العزيز الذي لم ولن تكون يوماً مثل أحداً .

ولاتُشبه أحداً ..  وسواك أنت آخر  لن يجي أو يكون  .

اليك روحاً تموت كل يوم ألف مرة ومرة ولاتفصح لأحد شيئاً وتتوجع ولاتشتكي .

أيها الجبل الذي ينظر ويلفُّ بذراعيه كل عصب المدينة ويرى مالايراه الآخرون .

سأعود يوماً لمياهي وبحري وسمائي ونوارسي التي تركتها تنشد لحناً جنائزياً لايغادرني ولايفارق أذني التي أضحت لاتُميزً ولاتسمع سوى بقايا صوت منهك ، مستحب للقلب .. ينازع بين شهقات وأنفاس أخيرة  .

شكراً لك ..

كثير شكري .. أيها العذب الجميل .. النقي الكبير ... الأستاذ العزيز صالح سعيد باعامر ... مدير عام مكتب وزارة الثقافة م/ حضرموت .

لقد أتتني مجموعتي القصصية - أشياء صغيرة – التي قمت بإصدارها ، بعد وعد وانتظار  .

وفيت وعدك وعهدك .. وكنت مخلصاً كما كنت .. ومثلما دائماً تكون .

إن الأوفياء حين يخطون على دروب البهجة .. يتركون بقايا عطرهم وروائحهم .. تُميّزهم دون غيرهم .. فيُعرفون بها ومن خلالها .. وتبقى آثار اقدامهم على تلك الدروب والمسالك .. ومن خلالها يُعرفون ويُكبرون .. يصنعون أشياء لم يصنعها سواهم ... وسينطق التاريخ شاهداً ... هؤلاء هم الصادقون .

إن أشيائي الصغيرة ،  نثرّتُ غراسها على ضفاف بحراً  كم أشتاق وأحنُّ اليه .

تركته مُرّغماً .. ولم يستطع قاربي التجذيف في بحر مليء بعواصف وتيارات من كل حدب وصوب .. حين صارت أرضي تهتز بي .. فتهاوت قلاعي وفقدّتُ أحصنتي ، وضاعت عروشي في خضم ليل لايوشك أن يظهر له فجر أو يبزغ له نهار  .

تلك أشيائي الصغيرة .. ولدت في حضن موجة كانت ترسم على مُحيّاها كثيراً من النجوى وكثيرًا من الشجن .

تلك أشيائي الصغيرة .. تتنفس عنّي غيابي ، واقفة في كل زقاق وطريق .. على ضفاف كل موجة ..  توصلني بشراييني التي قُطعت ولم أنسها ولن أتركها ذات يوم .

شكراً لك ..

شكراً لقلبك وروحك الملأى بالعشق والنبل والصدق والوفاء ..

ولتبق  أشيائي الصغيرة .. تُعانق فيوضات عشقي الغائبة ، التي لاأرى من وجهها شيئاً .. وأُطبّب نفسي بصوتها الذي ماينفك أن يأتيني بين وقت وآخر ..

شكراً لك ... أنت الأجمل في عصر يتجمّل بأشياء وأشياء ... ولتبق الثقافة وحياً يبعث بيننا أبجديات البوح وفيوضات المحبة ، الى أن تذهب غيوم شتاء قارس ،  ويحين موعد الوصل العظيم وأجمل لحظة لقاء  . 

         

 

 

 

 

 

 

  

 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة