أين قلبي
..



خالد لحمدي





على حوافِ الروحِ تنامُ امرأةٌ تُشعِلُ أحرفي نوراً وضياءً ، فيسيرُ دربي نحو مسالكٍ تأتِي ولا تذهبُ بي .. تنامُ على ضِفافِها ارتِعاشاتُ الوَلَهِ وأغلالٌ من الأُمنياتِ والأغاني .. هُنا امرأةٌ .. ومواعيدُ تتسامَى وتكبُرُ .. ووعدٌ يطيرُ بقلبي ويطوفُ بي المطاراتِ والأمكنةَ ، ودروبُ مدينتي تُغلِقُ طريقي .. تتنازعُنِي .. وثمّةَ منازلُ تحملُني على أجنحةِ الغَيمِ وأهدابِ الأماني ، أمرُّ خلالَها فَتُطِلُّ حبيبتي من شُرفَةٍ تمطرُ ياقوتاً وعناقيدَ ذهبٍ .. فَراشةٌ تسألُ النُّورَ في أرضٍ خاويةٍ ، حبيبتي تسافرين في دَمِي وليس في القلب سِواكِ .. فأخطو بحذَرٍ كي لا أُوقِظَ وُرُودي من غَفْوتِها .. فهُنا ينامُ العِطْرُ والياسمينُ .. هُنا تاريخُ حبيبتي ، وحلمُ روحٍ عَطشَى للغَيثِ والماءِ .. هُنا قبيلةُ الحُبِّ .. هُنا التاريخُ يَسْجُدُ ويطوفُ ويُبْعَثُ من جديدٍ ليعانِقَ أجملَ النساءِ .. أمرُّ مُحْنٍ رأْسي .. و دواخلي تَمْقُتُ الشَّتاتَ, وتمزِّقُ الحُلْمَ بين التَّرَجِّي والرَّجاءِ ، ووقوفُ عَمائِمِ القبيلةِ في وَجْهِ السَّماءِ ، حين ذُبِحَتْ على أبوابِها لُغَـةُ العِشقِ وماتتِ القُبَلُِ في شِفاهِ العاشقينَ ، وقلوبٌ تتغنَّى بفصولِ العِطرِ وملاذاتِ الشَّجَنِ والحنينِ ، وحُضنُ امرأةٍ عذبةٍ كالفجرِ يُعانقُ صبحاً لا يعرفُ الحِقدَ , ويُوقِدُ لَحَظاتِ المِتعةِ بشغَفٍ وانتشاءٍ .. أُبايُعُ حبيبتي وقلبي .. فتسمو روحي, وتمطر غُيوثي نشوةً واشتهاءَ . تنتفضُ روحي لتستعيدَ عروشَها السَّليبةِ ، فَتُنصَبُ الخِيامَ والقلاعَ وتستحضرُ الجُنْدَ والأحصنةَ ؛ لتُشيِّدَ مملكةَ العِشقِ وعروشَ الكِبرياءِ, ، ويَزِفُّ الوقتُ روحَينِ أشدَّ رغبةٍ للوَصلِ, ومِتعَةٍ لِلِّقاءِ ، وقد فَتكَ الغِيابُ بهما, وتواطَأتْ ضِدَّهُما القبيلةُ وتحالفاتُ الغُروبِ والسَّفرِ .. أيُّها النَّرجَسُ , أين تذهبُ بي ..؟ ففي داخلي ألْفُ نَزْفٍ وجُرحٍ .. فَلْتُدْفِئْني كلماتُك الحُبلَى بقصائدِ العاشقين .. ولكي لا أخسرَ الشَّوقَ, ويموتَ في داخلي معنَى الغرامِ ، أفترِشُ مضايِقَ المدينةِ واستَجْدي العُيونَ الذَّابلةَ المُضيئَةَ الباحِثةَ عن قناديلِ السَّلامِ .. فلرُبَّما تأتي حالةٌ نادِرةٌ آسِرةٌ .. تُقدِّس المعنى وتُدخِلُني من سبعةِ أبوابٍ .. إلى مَثاوِي الحُبِّ والميلادِ إلى بحرِ المراكبِ .. حيث يرسو القلبُ المُؤَجَّجُ بالحَرائِقِ ، بالحنينِ والمتاعِبِ, وتغيبُ الرُّوحُ في عينيكِ ما بينَ الكواكبِ .. رحلةُ الموتِ والبَوحِ في سراديبِ هذه الأرضِ .. على ضفافِ مدينتي لا لا تناسب .. فخُذيني بين أحضانِك ؛ فقد جاءتْ إليَّ كلُّ الرُّسُلِ هي والفُصول .. أين قلبي ..؟ لا يزل يَسكُنُ عينيكِ ويزرع ُ بين نهديكِ السنابلَ والحقولَ ، ولقد حان أن نثأَرَ للحُبِّ المُضرَّجِ بتراتيلِ البُكاءِ المُعلّقِ في براثنِ القبيلةِ والعشيرةِ .. فلم يَعُدْ لهذه الأنظمةِ واللوائحِ والقوانينِ الهُلامِيَّةِ أيُّ معنىً .. فقد أحببتُكِ .. وصرتُ عصفوراً يُحلِّقُ في سمائك ، بين جفنيكِ وشفتيكِ وصوتِكِ الآتي المُرصَّعِ بالمعاني الحضرمية .. ضاع قلبي .. ولساني صار يتحدَّثُ بجميعِ اللُّغاتِ .. وصرتُ مُهَيَّأً للغَوصِ في بحركِ ، في نحركِ وأُمسكُ بتلابيبِ القمر .. الآن صارت الفرصةُ سانحةً لنُغيِّرَ اللَّوائِحَ والقوانينَ وسنينَ العُقْمِ ومجرَى النَّهرِ .. سوف آتي .. مُمسِكاً بالشمسِ وعيونِ القمرِ .. فحضورُكِ صار له معنىً أجملُ ، حين فاجأَني كَحُلْمٍ ثم صوتٍ هامسٍ مثل كمنجَةٍ ، رائعٍ عَذْبٍ حضاريٍّ وناداني .. أحبك .. طاف بي كلَّ السَّماواتِ والأرض , وأدْخلَني التاريخَ كالفاتحين ، يكبُرُ يوماً بعد يومٍ ، ويُغيِّرُ كلَّ لحظةٍ شيئاً في حياتي , ويُحسِّنُ مفرداتي ، ولقد صرتِ أنتِ قلمي , ودفاتري , مِحْبَرَتي ودَواتي .. تسافرين في خيالاتي وذاكرتي , وفي أعماقِ ذاتي .. ولم يَعُدْ ثَمَّةَ شيءٌ يَفْصِلُ بين الحقيقةِ والخيالِ ، طالما جاءتْ غيوثُكِ مُترَعَةً بالجمالِ ، وبكِ استنجدتْ روحي بلهفةٍ , وبلا قيدٍ أو شرطٍ .. فلذا ؛ لا تَقْنَطِي , فلرُبَّما يجتاحُ أسوارَكِ حُبِّي , ويَجِيئُكِ هائِجاً كالسيلِ مابعد بعدَ المطر ، يا أجملَ امرأةٍ لأجْلي تنتظرُ .. ابْقِي معي .. فلم يَعُدْ أحدٌ سِواكِ .. وانعتيني بالصفاتِ التي ترغبين .. بالمَجنونِ أوِ البَدَوِيِّ أو الحَضْرِيِّ .. وَلْتَعلَمي أنَّ حُبَّكِ أخْرَجَ من داخلي براكينَ وجبالاً من ضَجَرٍ ، في زمن مَوبُوءٍ بالزَّيفِ وقتلِ الشُعراءِ .. يا وردةً تُغازِلُ الماءَ وقطراتِ النَّدَى .. ابْقِي معي ؛ ولْيَكتُبُ التَّاريخُ عنَّا ما يشاءُ .. لا تختفي الشمسُ ولا القمرُ ويبقَى النُّورُ عاشقاً للبَهاءِ  . 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة